نذير حمدان

235

حكمة القرآن والحضارة

كيدهم وإحاطة اللّه تعالى بهم والطلب من الرسول بإمهالهم قليلا ( الطارق 17 ) بينما استمر ( الإملاء ) في حملته الشعواء في السور المكية والمدنية معا ، وربطه بالكيد المتين في ( القلم 45 ) و ( الأعراف 183 ) وعدّه ( سنة ) غابرة للرسل وأممهم ، ومن ثم عاقبته المحققة في الإهلاك السريع الخاطف الذي لا يبقي ولا يذر ( الرعد 32 ) ونبّه إلى تأثير الشيطان في التسويف القاتل ( محمد 25 ) بالنسبة لمعاصري النبي صلى اللّه عليه وسلم ولمن سبقهم الذين تجرءوا على رسلهم ودعواتهم ( الحج 44 ) فهو إهلاك بعد إنذار ، وخراب بعد استشراء الظلم ، وإذ هو سنة عامة لجميع القرى المتأبية عن الهداية ، الواغلة في الجحود والعداء فإنه ( أخذ ) شديد ودمار شامل ( الحج 48 ) . وإن مثل هذه الصراحة المنذرة المتوعدة لا بد أن تنفي من أذهانهم شبه رعاية اللّه لهم بالخيرية الموهمة ، فإن كل ما يحيط بهم من مرافق النعمة والرخاء يغدو نقمة وشدة ، وحسبهم ذلك عظة وعبرة ( آل عمران 178 ) ، إنهم لا يستحقون أن يوقظهم اللّه من غمرة النعمة بالابتلاء فلا يريد بهم خيرا وقد اشتروا الكفر بالإيمان ، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه فلم يستحقوا أن يوقظهم اللّه من هذه الغمرة - غمرة النعمة والسلطان - بالابتلاء . ( ولهم عذاب مهين ) فالإهانة هي المقابل لما هم فيه من مقام ومكانة ونعماء وهي أبلغ موقف السخرية التي تبعدهم عن إنسانيتهم التالفة وعقولهم المغلولة . تهكم في المراجع ( اللّه ، الكتاب ، العهود ) وهو تهكّم يعرض بغير تعقيد ولا تركيب ، وإنما يفحمهم بطرح سؤال تلو سؤال عن مصدر عنادهم وجحودهم وسخريتهم في أسلوب لا جوابي ، أوليس له إلا جواب واحد ، إنه أسلوب لفظي نفسي يبرز انقطاع التواصل الفكري المقنع في تراكيب ساخرة اللفظ حكيمة المضمون ، فهو يتهكم ( بالحكم ) الصادر من الحاكم ( يونس 35 ) الذي يتطلع إلى عدالته الناس عادة فإذا به فاسد المظهر والمخبر والقرار ، و ( بالكتاب ) المدروس الذي يعكف عليه الباحثون والدارسون ليكشفوا عن أسراره وفوائده ومراميه ولكن الحقيقة لا دراسة ولا دارسين . وكذلك تهكم ( بالعهود ) الموثقة التي أخذها الجاحدون من اللّه أن يعينهم على المؤمنين ويقويهم عليهم ويجعل مصيرهم كدنياهم مترعة بالسعادة والنعيم من غير أن يفكروا